«
  1. Ana sayfa
  2. Arabça
  3. Lumatu'l-İtikâd Metni متن لمعة الاعتقاد

Lumatu'l-İtikâd Metni متن لمعة الاعتقاد

متن لمعة الاعتقاد

للإمام موفق الدين بن قدامة المقدسي

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله المحمود بكل لسان، المعبود في كل زمان، الذي لا يخلو من علمه مكان، ولا يشغله شأن عن شأن، جل عن الأشباه والأنداد، وتنزه عن الصاحبة والأولاد، ونفذ حكمه في جميع العباد، لا تمثله العقول بالتفكير، ولا تتوهمه القلوب بالتصوير، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير [سورة الشورى: ١١]، له الأسماء الحسنى، والصفات العلى الرحمن على العرش استوى له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى [سورة طه: ٥–٧] أحاط بكل شيء علمًا، وقهر كل مخلوق عزة وحكمًا، ووسع كل شيء رحمة وعلمًا يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علمًا [سورة طه: ١١٠] موصوف بما وصف به نفسه في كتابه العظيم، وعلى لسان نبيه الكريم.

وكل ما جاء في القرآن، أو صح عن المصطفى -عليه السلام- من صفات الرحمن، وجب الإيمان به، وتلقيه بالتسليم والقبول، وترك التعرض له بالرد والتأويل، والتشبيه والتمثيل.

وما أشكل من ذلك وجب إثباته لفظًا، وترك التعرض لمعناه، ونرد علمه إلى قائله، ونجعل عهدته على ناقله، اتِّباعًا لطريق الراسخين في العلم، الذين أثنى الله عليهم في كتابه المبين بقوله -سبحانه وتعالى-: والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا [سورة آل عمران: ٧] وقال في ذم مبتغي التأويل لمتشابه تنزيله: فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله [سورة آل عمران: ٧] فجعل ابتغاء التأويل علامة على الزيغ، وقرنه بابتغاء الفتنة في الذم، ثم حجبهم عما أمَّلوه، وقطع أطماعهم عمَّا قصدوه، بقوله -سبحانه-: وما يعلم تأويله إلا الله.

قال الإمام أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل -رضي الله عنه- في قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: “إن الله ينزل إلى سماء الدنيا” و “إن الله يُرى في القيامة” وما أشبه هذه الأحاديث: نؤمنُ بها، ونصدِّق بها، لا كيف، ولا معنى، ولا نردُّ شيئًا منها، ونعلم أن ما جاء به الرسول حق، ولا نردُّ على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

ولا نصف الله بأكثر مما وصف به نفسه، بلا حدٍّ ولا غاية ليس كمثله شيء وهو السميع البصير [سورة الشورى: ١١] ونقول كما قال، ونصفه بما وصف به نفسه، لا نتعدى ذلك، ولا يبلغه وصف الواصفين، نؤمن بالقرآن كله محكمه ومتشابهه، ولا نُزيلُ عنه صفةً من صفاته لشَنَاعةٍ شُنّعت، ولا نتعدَّى القرآن والحديث، ولا نعلم كيف كنه ذلك إلا بتصديق الرسول -صلى الله عليه وسلم- وتثبيت القرآن.

قال الإِمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي -رضي الله عنه-: آمنتُ بالله وبما جاءَ عن الله على مرادِ الله، وآمنتُ برسولِ الله، وبما جاءَ عن رسول الله، على مرادِ رسولِ الله.

وعلى هذا درج السلف، وأئمة الخلف -رضي الله عنهم- كلُّهم متفقون على الإِقرار، والإِمرار ، والإِثبات لما ورد من الصفات في كتاب الله، وسنة رسوله، من غير تعرض لتأويله.

وقد أُمرنا بالاقتفاء لآثارهم، والاهتداء بمنارهم.

وحُذِّرنا المحدثات، وأخبرنا أنها من الضلالات، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: “عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديِّينَ من بعدي، عَضُّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإنَّ كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة“.

وقال عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-: اتَّبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم.

وقال عمر بن عبد العزيز -رضي الله عنه- كلامًا معناه: (قف حيثُ وقفَ القوم، فإنهم عن علم وقَفُوا، وببصر نافذ كفوا، وهم على كشفها كانوا أقوى، وبالفضل لو كان فيها أحرى، فلئن قلتم: حَدَثَ بعدهم، فما أحدثه إلا من خالف هديهم، ورغب عن سنتهم، ولقد وصفوا منه ما يشفي، وتكلَّموا منه بما يكفي ، فما فوقهم محسِّر، وما دونهم مقصِّر، لقد قصرَّ عنهم قوم فجفوا، وتجاوزهم آخرون فغلوا، وإنهم فيما بين ذلك لعلى هُدًى مستقيم).

وقال الإِمام أبو عمر الأوزاعي -رضي الله عنه-: (عليك بآثار من سلف وإن رفضك الناس، وإياك وآراء الرجال وإن زخرفوه لك بالقول).

وقال محمد بن عبد الرحمن الأدرمي لرجل تكلم ببدعة ودعا الناس إليها: هل عَلِمها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأبو بكر وعمر وعثمان وعليّ، أو لم يعلموها؟ قال: لم يعلموها. قال: فشيء لم يعلمه هؤلاء علمته أنت؟ قال الرجل: فإني أقول: قد علموها. قال: أفوسعهم أن لا يتكلموا به، ولا يدعوا الناس إليه: أم لم يسعهم؟ قال: بلى وَسِعَهُم، قال: فشيء وسع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وخلفاءَهُ، لا يسعك أنت؟ فانقطع الرجل، فقال الخليفة -وكان حاضرًا-: لا وسّع الله على من لم يسعه ما وسعهم.

وهكذا من لم يسعه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه والتابعين لهم بإحسان، والأئمة من بعدهم، والراسخين في العلم، من تلاوة آيات الصفات، وقراءة أخبارها، وإمرارها كما جاءت، فلا وسَّع الله عليه.

فما جاء من آيات الصفات قول الله عز وجل: ويبقى وجه ربك [سورة الرحمن: ٢٧] وقوله سبحانه وتعالى: بل يداه مبسوطتان [سورة المائدة: ٦٤] وقوله تعالى إخبارًا عن عيسى -عليه السلام- أنه قال: تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك [سورة المائدة: ١١٦] وقوله سبحانه: وجاء ربك [سورة الفجر: ٢٢] وقوله تعالى: هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله [سورة البقرة: ٢١٠] وقوله تعالى: رضي الله عنهم ورضوا عنه [سورة المائدة: ١١٩] وقوله تعالى: يحبهم ويحبونه [سورة المائدة: ٥٤]. وقوله تعالى في الكفار: غضب الله عليهم [سورة الفتح: ٦] وقوله تعالى: اتبعوا ما أسخط الله [سورة محمد: ٢٨] وقوله تعالى: كره الله انبعاثهم [التوبة: ٤٦].

ومن السنة، قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: “ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى سماء الدنيا” وقوله: “يعجب ربك من الشاب ليست له صبوة” وقوله: “يضحك الله إلى رجلين قتل أحدهما الآخر ثم يدخلان الجنة” فهذا وما أشبهه مما صح سنده، وعُدِّلَتْ رواته، نؤمنُ به، ولا نردُّه، ولا نجحَدُه، ولا نتأوَّلُه بتأويل يخالفُ ظاهره، ولا نشبِّهه بصفات المخلوقين، ولا بسمات المحدثين، ونعلم أن الله -سبحانه وتعالى- لا شبيه له، ولا نظير ليس كمثله شيء وهو السميع البصير [سورة الشورى: ١١] وكل ما تخيل في الذهن، أو خطر بالبال، فإن الله تعالى بخلافه.

ومن ذلك قوله تعالى: الرحمن على العرش استوى [سورة طه: ٥] وقوله تعالى: أأمنتم من في السماء [سورة تبارك: ١٦] وقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: “ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك” وقال للجارية: “أين الله؟” قالت: في السماء. قال: “اعتقها فإنها مؤمنة” رواه مالك بن أنس، ومسلم وغيرهما من الأئمة، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- لحصين: “كم إلهًا تعبدُ؟” قال: سبعةً، ستةً في الأرض، وواحدًا في السماء، قال: “من لرغبتك ورهبتك؟” قال: الذي في السماء، قال: “فاترك الستة، واعبد الذي في السماء، وأنا أعلمك دعوتين” فأسلم، وعلمه النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يقول: “اللهم ألهمني رشدي وقني شر نفسي“.

وفيما نقل من علامات النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه في الكتب المتقدِّمة: أنهم يسجدون بالأرض، ويزعمون أن إلههم في السماء. وروى أبو داود في “سننه” أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: “إن ما بين سماء إلى سماء مسيرة كذا وكذا..” وذكر الخبر إلى قوله: “وفوق ذلك العرش، والله سبحانه فوق ذلك” فهذا وما أشبهه مما أجمع السلف -رحمهم الله- على نقله وقبوله، ولم يتعرَّضوا لرده، ولا تأويله، ولا تشبيهه، ولا تمثيله.

سئل الإِمام مالك بن أنس -رحمه الله- فقيل: يا أبا عبد الله الرحمن على العرش استوى [سورة طه: ٥] كيف استوى؟ فقال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، ثم أمر بالرجل فأخرج.

فصل

ومن صفات الله تعالى، أنه متكلم بكلام قديم، يسمعه منه من شاء من خلقه، سمعه موسى -عليه السلام- منه من غير واسطة، وسمعه جبريل -عليه السلام-، ومن أذن له من ملائكته ورسله، وأنه -سبحانه- يكلم المؤمنين في الآخرة، ويكلمونه، ويأذن لهم فيزورونه، قال الله تعالى: وكلم الله موسى تكليمًا [سورة النساء: ١٦٤] وقال سبحانه: يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي [سورة الأعراف: ١٤٤] وقال سبحانه: منهم من كلم الله [سورة البقرة: ٢٥٣]، وقال سبحانه: وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيًا أو من وراء حجاب [سورة الشورى: ٥١] وقال سبحانه: فلما أتاها نودي يا موسى إني أنا ربك [سورة طه: ١٢و١٣] وقال سبحانه: إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني [سورة طه: ١٤] وغير جائز أن يقول هذا أحد غير الله.

وقال عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-: إذا تكلَّم الله بالوحي، سمع صوته أهل السماء، روي ذلك عن النبي -صلى الله عليه وسلم-.

وروى عبد الله بن أنيس عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: “يحشر الله الخلائق يوم القيامة عُراة حُفاة غُرلًا بُهمًا فيناديهم بصوت يسمعه من بَعُدَ، كما يسمعه من قَرُبَ: أنا الملك، أنا الديان”.

رواه الأئمة، واستشهد به البخاري.

وفي بعض الآثار: أن موسى -عليه السلام- ليلة رأى النار، فهالته ففزع منها، فناداه ربه: يا موسى، فأجاب سريعًا استئناسًا بالصوت. فقال: لبيك، لبيك، أسمع صوتك، ولا أرى مكانك، فأين أنت؟ فقال: أنا فوقك، وأمامك، وعن يمينك، وعن شمالك، فعلم أن هذه الصفة لا تنبغي إلا لله تعالى، قال: كذلك أنت يا إلهي، أفكلامك أسمع، أم كلام رسولك؟ قال: بل كلامي يا موسى.

فصل

ومن كلام الله -سبحانه- القرآن العظيم، وهو كتاب الله المبين، وحبله المتين، وصراطه المستقيم، وتنزيل رب العالمين، نزل به الروح الأمين، على قلب سيد المرسلين بلسان عربي مبين، منزل غير مخلوق، منه بدأ، وإليه يعود، وهو سور محكمات، وآيات بينات، وحروف وكلمات.

من قرأه فأعربه فله بكل حرف عشر حسنات، له أول وآخر، وأجزاء وأبعاض، متلو بالألسنة، محفوظ في الصدور، مسموع بالآذان، مكتوب في المصاحف، فيه محكم ومتشابه، وناسخ ومنسوخ، وخاص وعام، وأمر ونهي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد [سورة فصلت: ٤٢]، وقوله تعالى: قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا [سورة الإسراء: ٨٨] وهو هذا الكتاب العربي الذي قال فيه الذين كفروا: لن نؤمن بهذا القرآن [سورة سبأ: ٣١] وقال بعضهم: إن هذا إلا قول البشر [سورة المدثر: ٢٥] فقال الله -سبحانه وتعالى-: سأصليه سقر [سورة المدثر: ٢٦]. وقال بعضهم: هو شعر، فقال الله تعالى: وما علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين [سورة يس: ٦٩]. فلما نفى الله عنه أنه شعر، وأثبته قرآنًا، لم يبق شبهة لذي لب في أن القرآن هو هذا الكتاب العربي الذي هو كلمات، وحروف، وآيات، لأن ما ليس كذلك لا يقول أحد: إنه شعر، وقال -عز وجل-: وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله [سورة البقرة: ٢٣] ولا يجوز أن يتحداهم بالإتيان بمثل ما لا يدرى ما هو، ولا يعقل، وقال تعالى: وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدِّله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي [سورة يونس: ١٥]. فأثبت أن القرآن هو الآيات التي تتلى عليهم. وقال تعالى: بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم [سورة العنكبوت: ٤٩] وقال تعالى: إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون [سورة الواقعة: ٧٧-٧٩]. بعد أن أقسم على ذلك، وقال تعالى: كهعيص [سورة مريم: ١]. حم عسق [سورة الشورى: ١] وافتتح تسعًا وعشرين سورة بالحروف المقطعة. وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: “من قرأ القرآن فأعربه، فله بكل حرف منه عشر حسنات، ومن قرأه ولحن فيه، فله بكل حرف حسنة” حديث صحيح. وقال -عليه الصلاة والسلام-: “اقرءوا القرآن قبل أن يأتي قوم يقيمون حروفه إقامة السهم لا يجاوز تراقيهم يتعجلون أجره ولا يتأجلونه“.

وقال أبو بكر وعمر -رضي الله عنهما-: (إعراب القرآن أحب إلينا من حفظ بعض حروفه).

وقال علي -رضي الله عنه-: (من كفر بحرف فقد كفر به كله)، واتفق المسلمون على عد سور القرآن، وآياته وكلماته، وحروفه. ولا خلاف بين المسلمين في أن من جحد من القرآن سورةً، أو آيةً، أو كلمةً، أو حرفًا متفقًا عليه أنه كافر، وفي هذا حجة قاطعة على أنه حروف.

فصل

والمؤمنون يرون ربهم بأبصارهم، ويزورونه، ويكلِّمهم، ويكلمونه، قال الله تعالى: وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة [سورة القيامة: ٢٢-٢٣] وقال تعالى: كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون [سورة المطففين: ١٥]. فلما حجب أولئك في حال السخط، دل على أن المؤمنين يرونه في حال الرضى، وإلا لم يكن بينهما فرق، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: “إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته“. حديث صحيح متفق عليه. وهذا تشبيه للرؤية، لا للمرئي، فإن الله تعالى لا شبيه له، ولا نظير.

فصل

ومن صفات الله تعالى أنه الفَعَّال لما يريد، لا يكون شيء إلا بإرادته، ولا يخرج شيء عن مشيئته، وليس في العالم شيء يخرج عن تقديره، ولا يصدر إلا عن تدبيره، ولا محيد عن القدر المقدور، ولا يتجاوز ما خط في اللوح المسطور، أراد ما العالم فاعلوه، ولو عصمهم لما خالفوه، ولو شاء أن يطيعوه جميعًا لأطاعوه، خلق الخلق وأفعالهم، وقدر أرزاقهم وآجالهم، يهدي من يشاء برحمته، ويضل من يشاء بحكمته، قال الله تعالى: لا يسأل عما يفعل وهم يسألون [سورة الأنبياء: ٢٣] قال الله تعالى: إنا كل شيء خلقناه بقدر [سورة القمر: ٤٩] وقال تعالى: وخلق كل شيء فقدره تقديرًا [سورة الفرقان: ٢] وقال تعالى: ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها [سورة الحديد: ٢٢]. وقال تعالى: فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقًا حرجًا [سورة الأنعام: ١٢٥] روى ابن عمر أن جبريل -عليه السلام- قال للنبي -صلى الله عليه وسلم-: ما الإيمان؟ قال: “أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره“. فقال جبريل: صدقت. رواه مسلم.

وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: “آمنت بالقدر خيره وشره، وحلوه ومره” ومن دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم- الذي علمه الحسن بن علي يدعو به في قنوت الوتر: “وقني شر ما قضيت“. ولا نجعل قضاء الله وقدره حجة لنا في ترك أوامره واجتناب نواهيه، بل يجب أن نؤمن ونعلم أن لله علينا الحجة بإنزال الكتب، وبعثة الرسل قال الله تعالى: لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل [سورة النساء: ١٦٥]. ونعلم أن الله -سبحانه- ما أمر ونهى إلا المستطيع للفعل والترك، وأنه لم يجبر أحدًا على معصية، ولا اضطره إلى ترك طاعة، قال الله تعالى: لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها [سورة البقرة: ٢٨٦] وقال الله تعالى: فاتقوا الله ما استطعتم [سورة التغابن: ١٦] وقال تعالى: اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم [سورة غافر: ١٧]. فدلَّ على أن للعبد فعلًا وكسبًا، يجزى على حسنه بالثواب، وعلى سيئه بالعقاب، وهو واقع بقضاء الله وقدره.

فصل

والإيمان قول باللسان، وعمل بالأركان، وعقد بالجنان، يزيد بالطاعة، وينقص بالعصيان، قال الله تعالى: وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة [سورة البينة: ٥] فجعل عبادة الله تعالى، وإخلاص القلب، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة كله من الدين. وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق” فجعل القول والعمل من الإيمان. وقال تعالى: فزادتهم إيمانًا [سورة التوبة: ٢٤]. وقال: ليزدادوا إيمانًا [سورة الفتح: ٤]. وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وفي قلبه مثقال برة، أو خردلة، أو ذرة من الإيمان” فجعله متفاضلًا.

فصل

ويجب الإيمان بكل ما أخبر به النبي -صلى الله عليه وسلم-، وصح به النقل عنه فيما شاهدناه، أو غاب عنا، نعلم أنه حق وصدق، وسواء في ذلك ما عقلناه وجهلناه، ولم نطلع على حقيقة معناه، مثل حديث الإسراء، والمعراج، وكان يقظة لا منامًا، فإن قريشًا أنكرته وأكبرته، ولم تنكر المنامات. ومن ذلك أن ملك الموت لما جاء إلى موسى -عليه السلام- ليقبض روحه لطمه ففقأ عينه، فرجع إلى ربه فرد عليه عينه.

ومن ذلك أشراط الساعة، مثل خروج الدجال، ونزول عيسى بن مريم -عليه السلام- فيقتله، وخروج يأجوج ومأجوج، وخروج الدابة، وطلوع الشمس من مغربها، وأشباه ذلك مما صح به النقل. وعذاب القبر ونعيمه حق، وقد استعاذ النبي -صلى الله عليه وسلم- منه، وأمر به في كل صلاة.

وفتنة القبر حق، وسؤال منكر ونكير حق، والبعث بعد الموت حق، وذلك حين ينفخ إسرافيل -عليه السلام- في الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون [سورة يس: ٥١]. ويحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلًا بهما، فيقفون في موقف القيامة، حتى يشفع فيهم نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم-، ويحاسبهم الله تبارك وتعالى، وتنصب الموازين، وتنشر الدواوين، وتتطاير صحائف الأعمال إلى الإيمان والشمائل فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابًا يسيرًا وينقلب إلى أهله مسرورًا وأما من أوتي كتابه وراء ظهره فسوف يدعو ثبورًا ويصلى سعيرًا [سورة الانشقاق: ٧-١٢]. والميزان له كفتان ولسان، توزن به الأعمال فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون [سورة المؤمنون: ١٠٢-١٠٣].

ولنبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- حوض في القيامة، ماؤه أشد بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل، وأباريقه عدد نجوم السماء، من شرب منه شربةً لم يظمأ بعدها أبدًا، والصراط حق، يجوزه الأبرار، ويزل عنه الفجار، ويشفع نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- فيمن دخل النار من أمته من أهل الكبائر، فيخرجون بشفاعته بعدما احترقوا وصاروا فحمًا وحممًا، فيدخلون الجنة بشفاعته، ولسائر الأنبياء والمؤمنين والملائكة شفاعات. قال تعالى: ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون [سورة الأنبياء: ٢٨] ولا تنفع الكافر شفاعة الشافعين. والجنة والنار مخلوقتان لا تفنيان، فالجنة مأوى أوليائه، والنار عقاب لأعدائه، وأهل الجنة مخلدون إن المجرمين في عذاب جهنم خالدون لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون. [سورة الزخرف، الآيتان: ٧٤، ٧٥]. ويؤتى بالموت في صورة كبش أملح، فيذبح بين الجنة والنار، ثم يقال: “يا أهل الجنة خلود ولا موت، ويا أهل النار خلود ولا موت“.

فصل

ومحمد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خاتم النبيين وسيد المرسلين، لا يصح إيمان عبد حتى يؤمن برسالته، ويشهد بنبوته، ولا يقضى بين الناس في القيامة إلا بشفاعته، ولا يدخل الجنة أمة إلا بعد دخول أمته، صاحب لواء الحمد، والمقام المحمود، والحوض المورود، وهو إمام النبيين، وخطيبهم، وصاحب شفاعتهم، أمته خير الأمم، وأصحابه خير أصحاب الأنبياء -عليهم السلام-، وأفضل أمته أبو بكر الصديق، ثم عمر الفاروق، ثم عثمان ذو النورين، ثم علي المرتضى -رضي الله عنهم أجمعين-؛ لما روى عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: كنا نقول والنبي -صلى الله عليه وسلم- حي: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، فيبلغ ذلك النبي -صلى الله عليه وسلم- فلا ينكره. وصحت الرواية عن علي -رضي الله عنه- أنه قال: (خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر، ولو شئت سميت الثالث) وروى أبو الدرداء عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: “ما طلعت الشمس ولا غربت بعد النبيين والمرسلين على أفضل من أبي بكر” وهو أحق خلق الله بالخلافة بعد النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ لفضله وسابقته، وتقديم النبي -صلى الله عليه وسلم- له في الصلاة على جميع الصحابة -رضي الله عنهم-، وإجماع الصحابة على تقديمه ومبايعته، ولم يكن الله ليجمعهم على ضلالة. ثم من بعده عمر -رضي الله عنه- لفضله وعهد أبي بكر إليه، ثم عثمان -رضي الله عنه- لتقديم أهل الشورى له، ثم علي -رضي الله عنه- لفضله وإجماع أهل عصره عليه.

وهؤلاء الخلفاء الراشدون المهديون الذين قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيهم: “عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ” وقال -صلى الله عليه وسلم-: “الخلافة من بعدي ثلاثون سنة” فكان آخرها خلافة علي -رضي الله عنه-.

ونشهد للعشرة بالجنة، كما شهد لهم النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: “أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وسعد في الجنة، وسعيد في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة” وكل من شهد له النبي -صلى الله عليه وسلم- بالجنة شهدنا له بها، كقوله: “الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة“، وقوله لثابت بن قيس: “إنه من أهل الجنة“.

ولا نجزم لأحد من أهل القبلة بجنة ولا نار، إلا من جزم له الرسول -صلى الله عليه وسلم-، لكنا نرجو للمحسن، ونخاف على المسيء. ولا نكفر أحدًا من أهل القبلة بذنب، ولا نخرجه عن الإسلام بعمل، ونرى الحج والجهاد ماضيين مع طاعة كل إمام، برًا كان أو فاجرًا، وصلاة الجمعة خلفهم جائزة. قال أنس: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: “ثلاث من أصل الإيمان، الكف عمن قال: لا إله إلا الله، ولا نكفره بذنب، ولا نخرجه من الإسلام بعمل، والجهاد ماض منذ بعثني الله عز وجل حتى يقاتل آخر أمتي الدجال، لا يبطله جور جائر، ولا عدل عادل، والإيمان بالأقدار” رواه أبو داود.

ومن السنة تولي أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومحبتهم، وذكر محاسنهم، والترحم عليهم، واعتقاد فضلهم، ومعرفة سابقتهم. قال الله تعالى: والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا [سورة الحشر: ١١] وقال تعالى: محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم [سورة الفتح: ٢٩] وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: “لا تسبوا أصحابي، فإن أحدكم لو أنفق مثل أُحد ذهبًا، ما بلغ مد أحدهم، ولا نصيفه“.

ومن السُّنة: الترضي عن أزواج الرسول -صلى الله عليه وسلم- أمهات المؤمنين المطهرات المبرآت من كل سوء، أفضلهن خديجة بنت خويلد، وعائشة الصديقة بنت الصديق التي برأها الله في كتابه، زوج النبي -صلى الله عليه وسلم- في الدنيا والآخرة، فمن قذفها بما برأها الله منه فقد كفر بالله العظيم، ومعاوية خال المؤمنين، وكاتب وحي الله، أحد خلفاء المسلمين -رضي الله عنهم-.

ومن السُّنة: السمع والطاعة لأئمة المسلمين وأمراء المؤمنين، برهم وفاجرهم، ما لم يأمروا بمعصية الله، فإنه لا طاعة لأحد في معصية الله، ومن ولي الخلافة واجتمع عليه الناس، ورضوا به، أو غلبهم بسيفه حتى صار خليفة، وسمي: أمير المؤمنين، وجبت طاعته، وحرمت مخالفته، والخروج عليه، وشق عصا المسلمين.

ومن السُّنة: هجران أهل البدع، ومباينتهم، وترك الجدال والخصومات في الدين، وترك النظر في كتب المبتدعة والإصغاء إلى كلامهم، وكل محدثة في الدين بدعة، وكل منهم بغير الإسلام والسُّنة مبتدع، كالرافضة، والجهمية، والخوارج، والقدرية، والمرجئة، والمعتزلة، والكرامية، والكلابية، ونظائرهم، فهذه فرق الضلال، وطوائف البدع، أعاذنا الله منها.

وأما النسبة إلى إمام في فروع الدين، كالطوائف الأربع فليس بمذموم، فإن الاختلاف في الفروع رحمة، والمختلفون فيه محمودون في اختلافهم، مثابون في اجتهادهم، واختلافهم رحمة واسعة، واتفاقهم حجة قاطعة.

نسأل الله أن يعصمنا من البدع والفتنة، ويحيينا على الإسلام والسُّنة، ويجعلنا ممن يتبع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الحياة، ويحشرنا في زمرته بعد الممات، برحمته وفضله آمين.

وهذا آخر المعتقد، والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا.